10 سبتمبر 2026 | 28 ربيع الأول 1448
A+ A- A
خطبة الجمعة  بتاريخ 4 من شعبان 1447 هـ - الموافق 23 / 1 / 2026م

خطبة الجمعة بتاريخ 4 من شعبان 1447 هـ - الموافق 23 / 1 / 2026م

23 يناير 2026

خطبة الحمعة المذاعة والموزعة

بتاريخ 4 من شعبان 1447هـ الموافق 23 / 1 / 2026م

شَعْبَانُ شَهْرُ الْقُرَّاءِ

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( [آل عمران:102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( [النساء:1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا( [الأحزاب:70-71].

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

إِنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ أَنْ هَيَّأَ لَهُمْ نَفَحَاتٍ يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَيْهِ، وَيَنَالُون الزُّلْفَى لَدَيْهِ، فَيَحْظَونَ حِينَئِذٍ بِالدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةِ، وَالْمَنَازِلِ الشَّرِيفَةِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانِيُّ]. وَمِنْ هَذِهِ الْمَوَاسِمِ الَّتِي يَنْتَظِرُهَا الْمُؤْمِنُونَ وَيَغْتَنِمُهَا الْمُشَمِّرُونَ، وَيَغْفُلُ عَنْهَا اللَّاهُونَ: شَهْرُ شَعْبَانَ، فَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنَ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانِيُّ].

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

إِنَّ أَهَلَّ الصَّحْوَةِ وَالْيَقَظَةِ يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَصْفَ الْغَفْلَةِ، فَالنَّاسُ عَادَةً يَغْتَنِمُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ؛ لِمَا عَلِمُوا فِيهِ مِنَ الْفَضَائِلِ، وَرُبَّمَا أَضَاعُوا شَهْرَ شَعْبَانَ بِقَضَاءِ شَوَاغِلِهِمْ وَسَدِّ نَوَاقِصِهِمْ لِشَهْرِ رَمَضَانَ، فَأَصْبَحَ شَهْرُ شَعْبَانَ مَغْفُولًا عَنْهُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ»، وَمِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: اسْتِحْبَابُ عِمَارَةِ أَوْقَاتِ غَفْلَةِ النَّاسِ بِالطَّاعَةِ، فَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَالْمُرَاد بِالهَرْجِ هُنَا: الْفِتْنَةُ وَاخْتِلَاطُ أُمُورِ النَّاسِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَوْقَاتَ الَّتِي يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهَا مُعَظَّمَةُ الْقَدْر؛ لِاشْتِغَالِ النَّاسِ بِالْعَادَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، فَإِذَا ثَابَر عَلَيْهَا طَالِبُ الْفَضْلِ دَلَّ عَلَى حِرْصِهِ عَلَى الْخَيْرِ، وَلِهَذَا فُضِّلَ شُهُودُ الْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِغَفْلَةِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَفُضِّلَ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، وَفُضِّلَ قِيَامُ نِصْفِ اللَّيْلِ وَوَقْتِ السَّحَرِ).

أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ:

إِنَّ الصِّيَامَ مِنْ أَجَلِّ الْقُرُبَاتِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. وَإِنَّمَا خَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصِّيَامُ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُوقِظُ الْجَوَارِحَ مِنْ غَفْلَتِهَا وَيَنْتَشِلُهَا مِنْ عَادَتِهَا، فَتَكُونُ فِي أَحْسَنِ مَقَامٍ وَحَالٍ عِنْدَ رَفْعِ الْأَعْمَالِ لِلْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، وَلِأَنَّ الصِّيَامَ عِبَادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وَوَقْتُهُ مُمْتَدٌّ، وَيُعَدُّ مِفْتَاحًا لِجُمْلَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ، مِنْهَا: إِدْرَاكُ وَقْتِ السَّحَرِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَنَحْوُهَا مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرَاتِ، وَصِيَامُ شَعْبَانَ كَالنَّافِلَة الْقَبْلِيَّة لِشَهْرِ رَمَضَانَ، فَيُرَبِّي الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ تَرْبِيَةً إِيمَانِيَّةً قَبْلَ شَهْرِ الصِّيَامِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ عَلَى الصِّيَامِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ كَفِّ الْبَصَرِ عَنِ النَّظَرِ الْحَرَامِ، وَاللِّسَانِ عَنِ الْقِيلِ وَالْقَالِ، فَهَذَا الشَّهْرُ بِمَثَابَةِ الْخِتَامِ لِأَعْمَالِ الْعَامِ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ.

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:

إِنَّ اسْتِشْعَارَ عَرْضِ الْأَعْمَالِ لِرَبِّ الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ؛ يَدْعُو الْعَبْدَ لِلْحَيَاءِ وَالْوَجَلِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي عَمَلِهِ مَا يَسْتَحْيِ مِنْهُ، وَالْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ مِنْ مَنَازِلِ عِبَادِ اللَّهِ الْمُقَرَّبِينَ وَأَوْلِيَائِهِ الْمُخْلَصِينَ، وَعَلَى قَدْرِ حَيَاةِ الْقَلْبِ تَكُونُ قُوَّةُ الْحَيَاءِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ». قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ المَوْتَ وَالبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ].

أَيُّهَا المُبَارَكُونَ:

إِنَّ سَلَفَنَا الصَّالِحَ كَانُوا يَغْتَنِمُونَ شَهْرَ شَعْبَانَ بِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ، قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا دَخَلَ شَعْبَانُ أَكَبُّوا عَلَى الْمَصَاحِفِ فَقَرَؤُوْهَا، وَأَخْرَجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ تَقْوِيَةً لِضَعِيفِهِمْ عَلَى الصَّوْمِ. وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (كَانَ يُقَالُ: شَهْرُ شَعْبَانَ شَهْرُ الْقُرَّاءِ)، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلائِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا دَخَلَ شَعْبَانُ: أَغْلَق حَانُوتَهُ، وَتَفَرَّغَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَكَانَ يُقَالُ أَيْضًا: (شَهْرُ رَجَبٍ شَهْرُ الزَّرْعِ، وَشَهْرُ شَعْبَانَ سَقْيُ الزَّرْعِ، وَشَهْرُ رَمَضَانَ حَصَادُ الزَّرْعِ). فَيَا مَنْ فَرَّطَ فِي الْأَوْقَاتِ الشَّرِيفَةِ وَضَيَّعَهَا، وَأَوْدَعَهَا الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ وَبِئْسَ مَا اسْتَوْدَعَهَا، هَا قَدْ مَضَى شَهْرُ رَجَبٍ، فَمَا أَنْتَ فَاعِلٌ فِي شَعْبَان!

مَضَى رَجَبٌ وَمَا أَحْسَنْتَ فِيـــــهِ       وَهَــــذَا شَهْـــرُ شَعْــــبَانَ الْمُبَارَكْ

فَيَا مَنْ ضَيَّعَ الْأَوْقَاتَ جَهْـــــــلًا        بِحُرْمَتِهَا أَفِــــقْ وَاحْــــذَرْ بَوَارَكْ

فَـــسَوْفَ تُفَارِقُ اللَّذَّاتِ قَــــسْرًا        وَيُخْلِي الْمَوْتُ قَهْرًا مِنْكَ دَارَكْ

تَدَارَكْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الْخَطَايَا         بِتَوْبَةِ مُخْلِـــصٍ وَاجْعَلْ مَدَارَكْ

عَلَى طَلَبِ السَّلَامَةِ مِنْ جَحِيـمٍ        فَخَيْرُ ذَوِي الْجَرَائِمِ مِــنْ تَدَارَكْ

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوه إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ فِي تَقْوَاهُ سَعَادَةً لِلْعِبَادِ، وَهِيَ خَيْرُ مَا يُتَزَوَّدُ بِهِ لِيَوْمِ الْمَعَادِ، )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ   ( [الحشر:18].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

إِنَّ شَهْرَ شَعْبَانَ شَهْرُ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ وَسَتْرِ الْعُيُوبِ، وَإِقَالَةِ الْعَثَرَاتِ وَتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ؛ فعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانِيُّ]. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ «فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِين، وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ، حَتَّى يَدَعُوهُ».

فَأَجَلُّ مَا يُسْتَقْبَلُ بِهِ هَذَا الشَّهْرُ سَلَامَةُ الصُّدُورِ، وَطَهَارَةُ الْقُلُوبِ، وَتَزْكِيَةُ النُّفُوسِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ»، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ].

وَلْيُعْلَمْ -عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ تَخْصِيصُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِقِيَامٍ، وَلَا نَهَارِهَا بِصِيَامٍ، وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى الْقَضَاءِ، وَلَا يُؤَخِّرَهُ حَتَّى يَضِيقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. فَبَادِرُوا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إلَى السِّبَاقِ فِي مَيَادِينِ الطَّاعَاتِ، حَتَّى يَدْخُلَ شَهْرُ رَمَضَانَ وَقَدْ تَهَيَّأَ الْعَبْدُ تَهْيِئَةً إِيمَانِيَّةً، فَيُدْرِكُ مِنْ حَلَاوَةِ الصِّيَامِ وَلَذَّةِ الْقِيَامِ مَا لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ.

اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَعْبَانَ وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ، اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى حَمْلِ الأَمَانَةِ، وَجَنِّبْنَا الْغَدْرَ وَالْخِيَانَةَ، اللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَأَرْغِمِ النِّفَاقَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَانْصُرْ دِينَكَ وِكِتَابَكَ وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ r وَعِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، وَوَفِّقِ - اللَّهُمَّ - أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجَعَلْ أَعْمَالَهُمَا فِي طَاعَتِكَ وَرِضَاكَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً، دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ.

لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة

معرض الصور

القائمة البريدية

انضم للقائمة البريدية للموقع ليصلك كل جديد

جميع الحقوق محفوظه لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة الكويت